محمد متولي الشعراوي

10863

تفسير الشعراوي

النواهي لمصلحة المربِّي ، وما دام أن ربك قد وضعها لك فلا بُدَّ أن تطيعه . لذلك نلحظ في هذه الآية { إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة } [ النمل : 91 ] ولم يقُلْ : أُمِرت أن أطيع الله ؛ لأن الألوهية تكليف ، أمّا الربوبية فعطاء وتربية ، فالآية تُبيِّن حيثية سماعك للحكم من الله ، وهي أنه تعالى يُربِّيك بهذه الأوامر وبهذه النواهي ، وسوف تعود عليك ثمرة هذه التربية . لذلك ، الصِّديق أبو بكر حينما حدثوه عن الإسراء والمعراج لم يُمرِّر المسألة على عقله ، ولم يفكر في مدى صِدْقها ، إنما قال عن رسول الله : « إن كان قال فقد صدق » فالميزان عنده أن يقول رسول الله ، ثم يُعلِّل لذلك فيقول : إني لأُصدِّقه في الخبر يأتي من السماء ، فكيف لا أُصدِّقه في هذه . وقال تعالى : { رَبَّ هَذِهِ البلدة } [ النمل : 91 ] أي : مكة وخصّها بالذكْر ؛ لأن فيها بيته { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً } [ آل عمران : 96 ] ثم يذكر سبحانه وتعالى من صفات مكة { الذي حَرَّمَهَا } [ النمل : 91 ] فهي مُحرَّمة يحرم فيها القتال ، وهذه وسيلة لحماية العالم من فساد الحروب وفساد الخلاف الذي يُفضي بكل فريق لأنْ تأخذه العزة ، فلا يجد حلاً إلا في السيف .